"الجهاد الإسلامي".. ثبات في أتون الحرب ورؤية لمشروع وطني جامع

تقارير وحوارات

 

الاستقلال / خاص:

تحل الذكرى الـ39 لتأسيس حركة الجهاد الإسلامي هذا العام في ظروف استثنائية وقاسية، وسط حرب إبادة إسرائيلية متواصلة فرضت واقعاً سياسياً وميدانياً بالغ التعقيد على الساحة الفلسطينية. وتجد الحركة نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي يتجاوز حدود الحفاظ على حضورها التنظيمي والعسكري في غزة والضفة، ليصل إلى قدرتها على تحديد موقعها ودورها الاستراتيجي في صياغة المشهد الوطني خلال المرحلة المقبلة.

وعلى مدار أربعة عقود، تمكنت الجهاد الإسلامي من الحفاظ على حضورها الفاعل والحيوي رغم التحولات المتلاحقة والظروف القاسية التي مرت بها القضية الفلسطينية؛ مستندة في ذلك إلى بنية فكرية وتنظيمية جعلت استمرارها مرتبطاً بالهوية والمشروع الجامع الذي قامت عليه، لا بوجود الأشخاص والقيادات كعناوين فردية.

وفي حديثهم لـ "الاستقلال"، يتفق كتاب ومحللون سياسيون على أن قوة الجهاد الإسلامي لا تتوقف عند حدود حضورها العسكري والميداني، بل تنبع بالأساس من بنيتها المؤسسية العميقة التي تجاوزت منطق الفردية، وقدرتها على صياغة علاقات وطنية متوازنة تضمن لها البقاء في قلب المشهد السياسي دون انزلاق إلى التنافس على إدارة الحكم والمؤسسات الرسمية.

بنية مؤسسية تتجاوز الفردية

يتفق الكاتبان والمحللان السياسيان عدنان الصباح وفايز السويطي على أن العامل الأساسي في صمود "الجهاد الإسلامي" واستمراريتها منذ انطلاقتها الأولى، يعود بالأساس إلى طبيعة البناء الهيكلي والعقائدي الذي قامت عليه؛ باعتبارها حركة تستند إلى عقيدة وأهداف فكرية ووطنية جامعة، لا إلى كاريزما الأشخاص أو الحضور الفردي للقيادة.

وفي هذا السياق، يوضح الصباح لـ "الاستقلال" أن الحركة اعتمدت منذ بداياتها على هيئات قيادية ومجالس شورى وتمثيل تنظيمي ومناطقي مرن، وهو ما أتاح انتقالاً سلساً وتلقائياً للقيادة عبر محطاتها المفصلية — من المؤسس الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، إلى الراحل الدكتور رمضان شلح، وصولاً إلى الأمين العام الحالي زياد النخالة — دون أن تتحول هذه الخسارات القيادية المؤلمة إلى أزمات أو هزات تنظيمية تفكك الحركة.

وفي الاتجاه ذاته، يؤكد السويطي أن اتساع القاعدة الفكرية والتنظيمية للحركة هو ما حماها من الانهيار عقب الاغتيالات المتكررة، مشيراً إلى أن العقيدة القتالية والاستعداد الدائم للمواجهة، إلى جانب العلاقات الوطنية والإقليمية المتينة، شكلت ركائز مكنت الحركة من تجاوز كافة الضربات والضغوط الإسرائيلية. ويتجلى ذلك بوضوح في قدرة قواعد الحركة على تجديد دماء قيادتها باستمرار، والتحول من التأثر بخسارة القادة إلى استنهاض طاقاتها الميدانية والسياسية بصورة أكثر فاعلية.

التراكم الميداني والصمود

ولا يفصل المحللان بين هذا التماسك التنظيمي وبين التجربة الميدانية الممتدة للحركة على مدار عقود طويلة. إذ يوضح السويطي أن الحركة خاضت عشرات المواجهات المعقدة والعمليات الفدائية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكان حضورها بارزاً ومحورياً في انتفاضة الأقصى، وصولاً إلى المعارك والمواجهات التي سبقت الحرب الحالية وتلك التي تلت السابع من أكتوبر.

ويؤكد أن هذا التراكم النضالي الميداني منح الحركة خبرة فائقة في التعامل والتكيف مع التحولات المتسارعة في بيئة المواجهة، وساعدها على الحفاظ على تماسك قواعدها الشعبية والتنظيمية رغم حجم الاستهداف المباشر.

من جانبه، يرى الصباح أن هذا الصمود الميداني والحرص الدائم على الابتعاد عن التنازعات والصراعات الداخلية الفلسطينية، جعل الحركة "عامل توحيد وجذب" بين كافة القوى والفصائل؛ حيث ظلت علاقاتها قائمة على تقديم المشترك الوطني على الأجندات الحزبية، مما يمنحها اليوم مساحة واسعة للعب دور محوري ومقبول في أوقات التصعيد والتهدئة، وفي كافة جهود التنسيق الوطني المشترك.

رؤية مشتركة

وعلى صعيد الملفات السياسية المعقدة والشاغلة للشارع الفلسطيني، يلتقي الصباح والسويطي عند قراءة موقف "الجهاد الإسلامي" من ملف الانتخابات وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، باعتباره امتداداً أصيلاً لرؤيتها للبنية السياسية ولخيار تجنب الانخراط المباشر في منظومة إدارة الحكم.

إذ يرى الصباح أن موقف الحركة الراسخ بعدم الانخراط المباشر في إدارة السلطة أو التنافس على المؤسسات التنفيذية يمنحها قوة واستقلالية عالية، مشيراً إلى أن ثقل الحركة السياسي والوطني لا يُقاس بقرار المشاركة أو المقاطعة الرسمية للانتخابات، بل بمدى قدرتها على الحفاظ على موقعها كقوة مقاومة ذات حضور فاعل، دون التفريط بثوابتها أو الدخول في تجاذبات ذرائعية آنية قد تضر بعلاقاتها الوطنية.

وفي قراءة مكملة وشارحة لهذا الطرح، يشير السويطي إلى أن تحفظ الجهاد الإسلامي لا يعني إطلاقاً رفض الانتخابات كآلية وطنية من حيث المبدأ، موضحاً أن الحركة تعتمد مقاربة قائمة على عدم تقديم مرشحين باسمها التنظيمي المباشر حمايةً لهويتها الفكرية والمقاومة، مع إبداء مرونة عالية في دعم قوائم وتوافقات وطنية مرابطة ومُرضية، بهدف تفويت الفرصة على أي انقسامات جديدة قد تعصف بالقضية الفلسطينية في هذا التوقيت الحرج.

معادلة ما بعد الحرب

ومع اقتراب استحقاقات مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار والترتيبات السياسية، يضع المحللان حركة الجهاد الإسلامي أمام معادلة دقيقة تتطلب الموازنة بين الحفاظ على بنيتها وثوابتها المقاومة من جهة، والتعامل المرن مع الواقع الفلسطيني والإقليمي الجديد الذي فرضته المعركة من جهة أخرى.

ويرى الصباح أن الحركة أمام فرصة حقيقية للبناء على التضامن الدولي والشعبي غير المسبوق مع القضية الفلسطينية، ليس فقط عبر الخطاب الإعلامي والمقاوم، بل من خلال الإسهام الفاعل في صياغة مشروع وطني جامع يترجم هذه التضحيات الباهظة إلى مسار سياسي موحد يحمي الحقوق الفلسطينية.

وهو ما يؤكده السويطي بالقول إن الجهاد الإسلامي تُشكل مكوناً أساسياً لا يمكن تجاوزُه في الخريطة الوطنية، وأن اختبارها الحقيقي في ذكرى تأسيسها الـ39 يكمن في مدى قدرتها على تحويل هذا الثبات الميداني والتنظيمي إلى أدوار سياسية ووطنية فاعلة، تسهم في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وتجديد أدواته، دون أن تفقد الخصوصية الفكرية والنضالية التي ميزت مسيرتها على مدار العقود الماضية.

التعليقات : 0

إضافة تعليق